‏إظهار الرسائل ذات التسميات تاريخ. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تاريخ. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 11 يناير 2015

موسيقى الجاز




في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كان سكان مدينة “نيو أورليانز” على نهر المسيسيبي الهادئ يتكوّفنون من خليط من المهاجرين الأسبان والإنجليز والفرنسيين، ويفكوّفنون طبقة الأسياد، وكان كل منهم يمتلك عددًا وفيرًا من العبيد الذين يسخرونهم في جميع الأعمال، وخاصة الزراعة.

من هذه المدينة خرج نجوم موسيقى الجاز الأمريكي مثل لويس أرمسترونج، وأوليفر، وكثيرون غيرهما أخذوا ينشرون هذا الفن في الولايات المتحدة الأمريكية بأسرها وفي أنحاء العالم.

جدير بالذكر أن جميعهم من السود، أما أسماؤهم الأوروبية فهي أسماء أسيادهم الذين كانوا يمتلكونهم منذ استورد تجار الرقيق أجدادهم من إفريقيا في القرن السابق.

ظهر هذا النوع من الموسيقى نتيجة لظروف تاريخية واجتماعية، أهمها إلغاء نظام الرق والعبودية عام 1863 على يد الرئيس “أبراهام لينكولن” من جهة، ونهاية الحرب الأهلية الأمريكية عام 1865 من جهة أخرى.


أصل الحكاية

وهكذا وجد الزنوج أنفسهم أحرارًا في مدينة “نيو أورليانز” التي تكثر فيها علب الليل وصالات الرقص الأوروبي، مثل: “الفالس” و”البالكا”، وتنتشر في جميع أحيائها، وخاصة في شارع “رامبارت”، هذا بخلاف الفرق النحاسية الصغيرة الكثيرة التي كانت تجوب شوارع المدينة نهارًا، ودار الأوبرا الفرنسية بها.

إلا أن الزنوج جلبوا معهم من إفريقيا – موطنهم الأصلي – تراثهم من إيقاعات وألحان احتفظوا بها وتوارثوها من جيل إلى جيل؛ لأنهم كانوا يرددونها في أثناء العمل في حقول القطن أو في أثناء سمرهم في ميدان “الكونجو” بعد ظهر أيام الأحد، وهو عطلتهم الرسمية الأسبوعية.

وكان أهم ما يلفت نظر الأوروبيين هي تلك الطبول الكبيرة التي تسمى “تام تام” أو “بامبولاسي”.

وكان الأوروبيون يتسلون بالفرجة على عبيدهم في سهرات موسيقية أقرب إلى المزاح، وامتزجت تلك الألحان والإيقاعات الإفريقية الأصل مع ما تعلمه الزنوج من ألحان الكنيسة الكاثوليكية أو البروتستانتية، وأيضًا مع صرخات عذاب العبودية وتعبيرات روحهم المكتئبة المتأثرة بالروح الوثنية، وأيضًا امتزجت بالموسيقى الأوروبية التي كانت منتشرة في كل مكان كما سبق القول.

وكانت تلك هي العناصر المتباينة التي يرجع إليها أصل موسيقى الزنوج في أمريكا، والتفت الزنوج حديثو التحرير حولهم، فوجدوا عددًا كبيرًا من الآلات النحاسية مثل الساكس فون والترمبيت المبعثرة هنا وهناك، تلك التي تركتها فرق الموسيقى العسكرية بعد نهاية الحرب الأهلية، فجمعوها وأخذوا ينفخون فيها، محاولين عزف تلك الألحان المحفوظة أو المارشات العسكرية التي طالما استمعوا إليها أو أية أنغام تخرج منهم تلقائيًا.

وهكذا بالفطرة ابتكروا – وهم لا يدرون – أسس موسيقى الجاز، كما أصبحت الآلات النحاسية هي الآلات الأساسية لعزفها.

المعروف أن العزف على آلات النفخ النحاسية أسهل بكثير من أية آلات أخرى، ويمكن استخراج الألحان البسيطة منها بدون دراسة أو تعليم.


الجاز أبيض وأسود

وفي عام 1895 تكونت في مدينة “نيو أورليانز” أول فرقة تعزف موسيقى الجاز برئاسة حلاق اسمه “بادي بولدن”، الذي كان حلاقًا بالنهار وعازف “كورونيت” بالليل.

أما الموسيقى التي تعزفها هذه الفرقة ليست مدونة، بل تعتمد أساسًا على الارتجال المشترك والانطلاق بالأصوات في كل اتجاه.

ثم أخذت فرق الموسيقى الجاز تنتشر وتجذب إليها جمهورًا متزايدًا من الشباب، ثم استطاعت أن تحتل مكانًا بارزًا في صالات الرقص والحدائق العامة ومناسبات الزواج، وحتى في السير أمام الجنازات.

وحيث إن هذه الفرق كانت كثيرة التنقل من مكان إلى آخر، لم يدخل البيانو في تكوينها إلا في وقت متأخر، حوالي عام 1920.

ومنذ بداية القرن العشرين أخذ الموسيقيون البيض يكوّفنون فرقًا مماثلة متخصصة في عزف موسيقى الجاز قاموا بتدوينها بالنوتة، ولكنهم لم يصيبوا نجاحًا كبيرًا؛ لأن الروح الزنجية كانت تعوزهم، وكذلك لم يستطيعوا تقليد أسلوبهم الذي كان يصدر منهم بالفطرة والسليقة.

ولكن الموسيقيين البيض استطاعوا ابتكار نوع جديد من موسيقى الجاز أطلق عليه اسم “ديكسي لاند” أخذ ينتشر تدريجيًا في أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية بفضل الأفلام السينمائية وشركات الأسطوانات حتى قامت الحرب العالمية الثانية.

ولم يتوقف تطور موسيقى الجاز التي أصبحت موسيقى الرقص بأنواعه، مثل: “الشارلي ستون” و”السوينج”، وانتلقت زعامة موسيقى الجاز من مدينة “نيو أورليانز” إلى مدن أخرى مثل شيكاغو التي تكثر فيها الملاهي الليلية التي كانت تحرص على أن تعمل بها تلك الفرق، ثم انتشرت فرق الجاز في مدن أخرى، مثل: بالتيمور، وواشنطن، ونيويورك، وبوسطن، وفي كل مدينة كانت فرق الجاز تحاول أن تضم إليها عازفيين من مدينة “نيواورليانز” التي كانت تعتبر المعهد الذي تخرَّج منه أشهر العازفين وأمهرهم في الارتجال.


أنواع الجاز

إلى هذا الوقت كانت فرق موسيقى الجاز تتكون من سبعة أو ثمانية عازفين، ثم ظهر في مدينة نيويورك، وفي حي “هارلم” بالذات – والذي يسكنه الزنوج بصفة عامة – “فلتشر هندرسون” و”ديوك ألبينجتون”، وكانا من الموسيقيين الدارسين، وقد قاما بمضاعفة عدد العازفين في فرقتهما، وكتبا النوتات الموسيقية لكل عازف، وقللا من فواصل الارتجال التي كانت من خصائص هذا النوع من الموسيقى، وأطلق على هذا النوع “الجاز الجاد”.

وصادف هذا التجديد نجاحًا كبيرا، وزاد عليه الطلب في فنادق نيويورك الفاخرة العديدة وفي الملاهي الليلية، وحتى في الحفلات التي كانت تقيمها الجامعات والمدارس في مختلف المناسبات.

وشجّع هذا النجاح الفرق الأخرى؛ فسارت على خطاها، كما ظهر في الثلاثينيات عدد كبير من الموسيقيين البيض المهرة من خريجي المعاهد الموسيقية؛ حيث كوَّنوا فرقًا لموسيقى الجاز، نالت شهرة واسعة بفضل تعاقدها مع محطات الراديو العديدة وتسجيل الأسطوانات.

وابتداء من سنة 1945، بدأ الموسيقيون في فرق الجاز ثورة ضد الوظيفة التقليدية للموسيقى التي يعزفونها، وهي تحريك أرجل الراقصين؛ لأنهم كانوا يشعرون أنهم يقدمون للجماهير فنًا يستحق الإصغاء إليه في سكون تام، وبأنه فن جديد يخاطب المشاعر ويرتفع إلى المستويات السيمفونية، ولم يعد يشترك في أدائه عازفون بالسليقة، بل أفضل خريجي المعاهد الموسيقية.

وهكذا أخذت موسيقى الجاز طريقًا جديدًا؛ فاختفى منها الارتجال وقلّ استعمال الإيقاعات الساخنة، وأصبحت المؤلفات الجديدة تميل إلى البطء وإلى التعبير العاطفي في ألحان ذات طابع غنائي مؤثر، وأطلق على هذا النوع من موسيقى الجاز اسم “الجاز البارد”.

وفي هذه الفترة أيضًا ظهرت البوادر الأولى لفرق “السيمفو جاز”، وهي عبارة عن تكوين موسع يشتمل على آلات الأوركسترا السيمفوني الكامل، مضافًا إليه آلات فرق الجاز التقليدية.

وكان أول من أقدم على هذا التطور هو “جيل إيفانز”، وتلاه عام 1955 “جنتر شولر” وغيرهما.


العودة إلى الجذور

ولكن على الرغم من هذا الاتجاه التوسعي في كتابة موسيقي الجاز، فلم تختف أبدًا الفرق الصغيرة التي كانت تسير على روح الجاز الأساسية التي تنبع من الإيقاعات الساخنة السريعة والارتجال أو التعبير الذاتي المنطلق على سجيته دون قيود.

وهكذا ظهر “الروك أند روك” في أوائل الستينيات، وكان “سيسيل تايلور”، وهو عازف بيانو أول من نادى بالعودة بالجاز إلى أصوله القديمة بعد أن كان قد بلغ في سموه أرفع المستويات.

ولا يجب أن نغفل ذكر امتزاج موسيقى الجاز الأمريكي بموسيقى دول أمريكا اللاتينية كالمكسيك والأرجنتين منذ العشرينيات، وما أدخلت عليها تلك البلاد من إيقاعات مبتكرة ورقصات جديدة، مثل: التانجو، والرومبا، والسامبا، والتشاتشا، وغيرها، بالإضافة إلى آلات الإيقاع الشعبية في تلك البلاد مثل القرع والشخاشيخ والنقارات.

وهكذا نرى أن موسيقى الجاز عبر تاريخها لم تنقطع عن التطور والتغيير؛ فترتفع أحيانًا إلى المستويات السيمفونية، وترتد أحيانًا أخرى إلى أصولها البدائية، وأهم ما يلفت النظر أن تلك الموسيقى التي انطلقت من مدينة “نيو أورليانز” انتشرت في جميع أنحاء العالم.

كذلك تطورت مهرجانات الجاز؛ فقد بدأت إقامتها بصفة دورية في الخمسينيات، وكانت في البداية محلية، تتبارى فيها الفرق الأمريكية بتقديم أحدث إنتاجها وأفضل نجومها في الغناء أو العزف.

ثم أخذ نطاق تلك المهرجانات يتسع؛ حتى أصبحت دولية، تشترك فيها فرق الجاز من مختلف أنحاء العالم؛ لتلفت إليها أنظار شركات الأسطوانات، فتتعاقد معها أو تحتكرها بأجور مرتفعة.

ولم تمض سنوات قليلة حتى تكونت هيئة دولية لتنظيم تلك المهرجانات، وأخذ عددها يزداد كل سنة مع مراعاة إقامتها في مختلف عواصم العالم، كما أصبح لها لجان تحكيم دولية تمنح الفرق الفائزة جوائز مالية كبيرة.



بقلم : محسن الصياد

السبت، 10 يناير 2015

تأملات في تاريخ الخط العربي




كان هناك سببان رئيسيان لتطوير الخط العربي، في السنوات التي تلت وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، أحدهما يتعلق بالحاجة إلى نقل القرآن الذي أنزل على النبي إلى المؤمنين الذين لم يسمعوه فعلاً، والسبب الآخر كان النمو السريع للعالم الإسلامي وحاجة حكامه إلى المقدرة على التواصل مع بعضهم بعضاً.

ومن دون أي خط عربي معروف لدى كل الأطراف، فإن مثل هذا الاتصال كان من المستحيلات. ويخبرنا المؤرخون أن المتطلب الديني كان أساسياً في الإيحاء بهذا النمو، ذلك أن القرآن لا يحتوي فقط على سجل حياة النبي على نحو ما نجد في حياة يسوع في الإنجيل، وإنما هو كلام الله.

وبالتالي كان يتطلب خطاً له خصائص على مستوى رفيع. ومن المعروف أن شعوباً إسلامية مختلفة سعت إلى إضفاء هذه الخاصية على الخط العربي بطرق مختلفة. وهذا التاريخ يعطي تفاصيل كاملة حول كيفية تطور الخط العربي بطرق مختلفة.

والمؤرخ والمستعرب الراحل مارتن لنيغز، وهو أحد أوائل الذين أسلموا من المؤرخين، ألف كتابه «فن خط المصحف وزخرفته» الذي لا يزال يعد عملاً كلاسيكياً في الخط العربي. كما أشار مستشرق آخر إلى أن أهمية الكتابة الحسنة لا يمكن المبالغة بها. فهي بحد ذاتها شكل من أشكال الفن ووسيلة للتزيين، ذلك أن تطبيق فن الخط لم يجري تقييده مطلقاً.

وهناك جدل قائم بأن الخط الإسلامي وصل إلى أوج تعبيره عندما تم تطبيقه على الخزفيات. وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في 632 ميلادي، نقلت آيات الذكر الحكيم من قبل الحفاظ، أي أولئك الذين حفظوا القرآن عن ظهر قلب.

وقد قتل عدد كبير من هؤلاء الحفاظ في المعارك التي شنت في الأيام الأولى من الدعوة الإسلامية. وبالتالي ساد الاعتقاد بأنه من الأهمية بمكان أن تكون هناك نسخة واحدة من المصحف، على أن تكون الكتاب الذي على كل مسلم أن يتبعه.

والمصحف الشريف أرسل بعد ذلك إلى المراكز الأربعة للإسلام، مكة والمدينة والبصرة والكوفة من أجل نقل مصاحف عنه. وكل من هذه المدن الأربع طورت أسلوبها، على الرغم من أنه على أساس مصحف الكوفة جاء الخط الأكثر استخداماً والذي أصبح معروفاً بـ «الخط الكوفي»، وهذا الخط هو الأقرب بين كل الخطوط العربية لفن الرسم.

وهذا جعله مثالياً في تزيين النقود وبالتحديد تزيين العمارة، فيما كان الخط العربي يزداد جمالاً مع تطوير الخط الكوفي في القرنين الأولين من الإسلام.

في البداية لم تكن له نقاط أو بعض السمات المميزة، مما أدى إلى تعذر الفهم، لأن بعض الحروف كان لها الشكل نفسه.

 وهذا تغير لاحقاً مع استخدام النظام الذي اخترعه أبو أسود الدؤولي. ولقد استخدم أبو أسود عدة علامات لتحديد «الهمزة» و«الشدة» والمدة« و»السكون« و»التنوين«، وقد صقل الحجاج بن يوسف الشهير هذا النظام باستخدام النقاط أو الحركات فوق الحروف وتحتها لتمييزها عن بعضها.

وبهذه الطريقة تم التوصل إلى حروف الأبجدية الكاملة، أو الحروف العربية كما نراها اليوم. ونسخ مختلفة تم ابتكارها من قبل عدد كبير من الخطاطين أبرزهم ابن مقلة، ولاحقاً ابن البواب، الذي يعود الفضل إليه لاختراعه الخط النسخي المستخدم بشكل واسع.

وفي كتابه يذكر مارتن لينغز ثلاثة خطوط أصبحت مستخدمة في معظم المصاحف، وهذه الخطوط هي المحقق والريحاني والثلث. لكن في شمال أفريقيا والأندلس، فإن الخط اللين المستمد من الكوفي والمعروف باسم »المغربي" كان الأكثر شعبية وتداولاً.

وتشابه المغربي مع الكوفي الأصلي جعله مشهوراً في التزيين والنقش على التصاميم المعمارية والمنسوجات والخزف.

وتحت حكم الأمويين في قرطبة، فإن خطاً كوفياً بسيطاً أو مورقاً قليلاً كان يستخدم، كما في المسجد الكبير. ولاحقاً تم تضفير الخط الكوفي، كما نجد في قصر الحمراء.

اليوم يستمر الاعتقاد بأن الخط العربي فن عظيم، في كل أنحاء العالم الإسلامي وما وراءه. وعلى الرغم من أن استخدام الآلات السريعة جداً قد أدى إلى تراجع طفيف في دور الخطاطين اليوم، فإننا نأمل أن يعمل جيل جيد من الخطاطين على النهوض بهذا الفن الجميل.



بقلم : دنيس جونسون ديفز
المصدر : البيان

الجمعة، 9 يناير 2015

اللباس العربي ..




عُرف اللباس العربي منذ القدم بأنّه "فضفاض" متماشٍ مع الظروف المناخية والبيئية في جزيرة العرب، وساير قيام الحضارات العربية القديمة في الجزيرة وأطراف الشام والعراق، ولا أدل على ذلك إلاّ ما نقلته لنا الروايات والأخبار حتى القصائد والأشعار عن حال العرب في الممالك والحواضر والبوادي.

وعلى الرغم من تعدد الأقاليم والظروف المناخية والجغرافية في كافة أقاليم الجزيرة العربية، إلاّ أنّ معظم المنقولات والروايات التي تتحدث عن الزي العربي تكاد تُجمع على أنّ "العمامة" و"القميص" و"الإزار" و"البردة" لباس عرفه العرب القدماء على اختلاف مشاربهم وتعدد قبائلهم ومناطق سكنهم، وقد دار حول لبس العمامة حديث طويل بين علماء القرنين المنصرمين.


العرب في حضارتهم

وبعد توسع الحضارة الإسلامية في بلاد فارس والروم وصلت طلائع خيل المسلمين إلى بلاد ما وراء النهر "سيحون" و"جيحون"، ودخل "البربر" و"الأحباش" و"الترك" و"الصقالبة" إلى حضارة الإسلام، وتشارك العرب مع غيرهم من الأعراق والحضارات الجديدة، وعرفوا أنواعاً من الأقمشة والأزياء والملابس التي تتماشى مع الأقاليم التي نزلوها، حتى عُرف عن الخليفة الزاهد عمر بن عبدالعزيز في شبابه أنّه كان كثير الإسراف في لباسه وعطوره؛ لدرجة أنّ الناس يعرفون أنّه مر بهذا الطريق أو ذاك؛ لما يجدونه من أريج عطره الفواح، كما كان الخلفاء من بني أمية وبني العباس يُعرفون بملابسهم وأزيائهم الفاخرة، ولم يكن ذلك معروفاً في زمن الخلفاء الراشدين - رضوان الله عليهم - وهم الذين كانوا في لباسهم وزيهم كحال عامة الناس في المدينة، بل كانوا يلبسون الثوب الواحد مراراً ويرقعون نعلهم ومآزرهم، حتى لقد وصل عمر الفاروق - رضي الله عنه - بيت المقدس، وفي ثوبه ما يقارب من سبع عشرة رقعة، وكذا كان أبو الحسن علي - رضي الله عنهما - لا تفرق بينه وبين عامة الناس بهندامه وتواضعه.


"القلانس" الطوال

وعُرف العباسيون باللباس الأسود توائماً مع راياتهم السود، وقد ذكر المؤرخون أن "أبا العباس السفاح" - أول خلفاء بني العباس - ترك حين وفاته عدداً من "الجُبب" و"البرد"، وفصَّل بعضهم في ذلك - حتى في ملابسه الداخلية - في حين كان "أبو جعفر المنصور" - ثاني الخلفاء العباسيين - يلبس "القلانس" الطوال، وينام على فراش الحرير؛ بغية تخفيف وطأة حرارة الصيف، وكان رغم تقشفه وبخله يأمر كافة أفراد جيشه أن يلبسوا "القلانس" الطوال حتى لقد هجاه الشاعر "أبو دلامة" بقوله:

وكنا نرجي من إمامٍ زيادة

فجاد بطول زيادة القلانس

تراها على هام الرجال كأنّها

دنان يهود حللت بالبرانس

وقيل: إنّ "هارون الرشيد" - حفيد أبي جعفر - هو أول من لبس "القلنسوة" المعروفة ب "الطويلة الرصافية"؛ نسبة إلى الرصافة أحد أحياء "بغداد"، كما تبعه أبناؤه "الأمين" و"المأمون"، ويذكر المؤرخون قصة طريفة حدثت ل "الأصمعي" في مجلس الرشيد، وذلك حين كان يحدثه عن الأقوام السابقة وعاداتهم وأعرافهم، وعرج في حديثه عن بني أمية، وذكر أنّ "سليمان بن عبدالملك" كان نهماً أكولاً، وكان يخبئ الدجاج المشوي في كمه - جيبه -، فتعجب "هارون الرشيد" من هذه المعلومة وأمر خازن الدار أن يبحث في مخازن دار الخلافة عن لباس سليمان بن عبدالملك، وكان في مخازن القصور العباسية بعض مقتنيات وملابس وأواني بني أمية، فلما أحضرها الخازن وجد الرشيد آثار الدهن في أكمام ملابس سليمان بن عبدالملك، فتعجب من ذلك وأمر الخازن أن يسلمها ل "الأصمعي" هدية له، فكان يزهو بها في شوارع "بغداد"، وإن سئل عنها قال عبارته الشهيرة: "هذه ثياب سليمان بن عبدالملك التي أهدانيها هارون الرشيد".


شخصية "الكوبرا"

وفي منتصف القرن الهجري الثالث أحدث "المستعين بالله" - الخليفة العباسي - تحولاً جذرياً في أزياء ذلك الزمان؛ إذ عمد إلى تقصير "القلانس" وتصغيرها وتوسيع الأكمام، فقلّده بذلك بطانته وحاشيته - وهذا النوع من اللباس هو ما يصوّر لنا الآن في عموم الأعمال الدرامية -، وبعدها تبعته العامة من أهالي "العراق" فلبسوا ما لبسه الخليفة، حتى ظهر الناس في متوسط العصر العباسي بأزياء فاخرة وأقمشة نادرة، لا سيما رجال السلطان وموظفي البلاط والولاة وكبار القادة والسلاطين، وهو ما دفع "ابن المرزبان" - من علماء القرن الثالث الهجري - أن يضع كتابه المشهور "فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب" وهو يصف أهل زمانه فما بالك بأهل زماننا هذا، في حين كان وصف "الجاحظ" ملابس رجال البلاط وصفاً دقيقاً، بعد أن سخر من نرجسيتهم وتعاليهم على عامة الناس حين سماهم "الطواويس"؛ لأنّهم كانوا يختالون في مشيهم وينفشون ملابسهم، كما ينفش الطاووس ريشه، وهو ما يحاكي في زمننا هذا التشخيص ب "الكوبرا" عند شباب التسعينات الميلادية.


"مصاصة" العرق

كانت "القلانس" لباساً معتمداً في معظم أقاليم البلاد الإسلامية إبان حضارة الإسلام المجيدة، حتى إنّ "أحمد بن طولون" - مؤسس الدولة الطولونية بمصر - أعاد أهالي مصر والشام إلى لباس "القلانس" الطويلة بعد أن كان الخليفة "المستعين بالله" قد نشر "موضة القلانس القصيرة" والأكمام الواسعة.

ويذكر المؤرخ "البلاذري" أنّ "القلانس" دخلت من "الهند" عن طريق القائد العربي المسلم "عباد بن زياد"، فسميت "العبادية"، وكان "الحجاج بن يوسف" يجلس للناس ويلبس "القلانس" الطوال، كما ذكر "د. عبدالعزيز بن حميد" في كتابه "ملابس الخلفاء والآثار الإسلامية" أنّ العمائم كانت تشد ب "الشاشية" أو "العرقية" لحماية العمامة من الاتساخ وتسمى في إيران "العرقجين" وتعريبها "مصاصة العرق"؛ وهي ما نسمّيه في زماننا هذا "الطاقية".


عليمات و"بروتكولات"

يذكر أن المغني "زرياب" - الذي عاش في القرن الرابع الهجري - هاجر من "بغداد" إلى "قرطبة" بالأندلس وهناك ذاع صيته وسطع نجمة حتى بات نديماً للسلاطين وعشيراً لذوي المال واليسار؛ ما دفعه لأن يرسم لنفسه "بروتكولات" خاصة في المطعم والملبس، وهو ما سماه الفرنسيون فيما بعد ب "الإتكيت"، وقد تبناه الإمبراطور الفرنسي "لويس الرابع عشر" في القرن الثاني عشر الهجري، الذي كان يأمر بتوزيع بطاقة أو "تذكرة صغيرة" تبرز فيها التعليمات الخاصة بالاحتفالات التي تقام في قصر "فرساي" بباريس.


ملابس الأجداد

واقتصر لباس الأجداد في مختلف أقاليم الجزيرة العربية على "القميص" و"الإزار"، وتستخدم "الوزرة" الآن في مناطق جنوب المملكة، كما يستخدمها البحارة في الساحلي الشرقي، وبعض المناطق الساحلية الغربية، إلى جانب "الطاقية" بأنواعها "الشالكي" - نسبة إلى الصوف الشالكي - و"المنطيّة" - المنسوجة والشبكية ذات الفتحات - وتسمى أيضاً "المشخلة" وهذه الأنواع من الطواقي تنتشر في كافة مناطق الجزيرة العربية، أمّا "الغترة" - وأشهرها "غترة العطار" - نسبة إلى موردها - التي تلبس فوق "الطاقية"، فهي تنتشر في معظم أقاليم الجزيرة العربية، ولها تطاريز وأقمشة أشهرها "البوال"، كما أنّ لها أنواع متعددة ك "الشقرة" و"الشدفة" و"الذرعة" - مأخوذة في تسميتها من قياسها بالذراع - وكذلك "الحدرية" و"المشوربة"، التي تحوي خطوطاً صفراء وسوداء متقاطعة، وكذلك "الغبانة"؛ المخططة بخيوط صفراء حول الأطراف، وتستخدم حتى يومنا هذا في الحجاز، وتسمى "الغترة المكية".


الغترة الحمراء

ويعتبر "الشماغ" نوع من الغتر - وهو مصطلح تركي مأخوذ من كلمة "يشمك" - بل يسمى "الغترة الحمراء" وكثر استخدامه في وسط الجزيرة العربية في العقود المتأخرة، لا سيما في فصل الشتاء، واشتهر منها فيما مضى "شماع خارق" وعرف بمتانته وكبر حجمه، وكذلك "شماغ ابن نصر" و"العقل" و"البسام"، وهؤلاء هم أشهر الموردين للشماغ قبل أكثر من خمسين عاماً، وكانت تأتي على شكل أثواب أو "طاقات" فيقصها البائع ويبيعها مجزأة، واشتهر في المملكة الشماغ الأحمر كما اشتهر الشماغ الأسود أو الأخضر في نواحي "الشام" و"العراق"، كما كان الأجداد يلبسون "العِمّة" أو العمامة ويبلغ طولها مترين إلى ثلاثة أمتار وعرضها حوالي نصف متر تلف فوق الرأس بدلاً من العقال، ويستخدمها - كما ذُكر بموسوعة الثقافة التقليدية في الجزيرة العربية - "مشايخ العشائر والقبائل" و"علماء الدين" و"المتدينون"، وقد عرف بها "الإخوان" في عهد المؤسس، الذين كانوا يستخدمونها كفناً يحملونه فوق رؤوسهم؛ حتى إذا استشهد أحدهم كفنوه بها.


الشال والعقال

وكان "الشال" نوعا من أنواع الغتر، وأشهر أنواعه ما عرف باسم "الترمة" وكذلك "زبد الرخال" أي صغار الغنم وهو تشبيه لشدة نعومته، وغالباً ما يلبس في الشتاء، ويستورد معظمه من "الهند" و"باكستان"، كما كانت "العصابة" تلبس في المناطق الجنوبية من المملكة، لاسيما في "تهامة"، وتصنع من الجلد وتُزين بالنباتات العطرية، أما "العقال" فكان يصنع في "مكة المكرمة" و"المدينة المنورة" و"جدة" و"القطيف"، إلى جانب "الشطفة" وهي نوع من أنواع العقال لها أربعة أركان تحيط بالرأس وتطزر بالخيوط المذهبة، وكان آخر من لبسها من الملوك الملك فيصل بن عبدالعزيز.


ثياب أوّل

وكان من أشهر ملابس الرجال آنذاك "المقطع" أو "الدراعة"، التي تشبه الثياب في زمننا هذا، إلاّ أنّها أكثر اتساعاً، وكان الثوب "المزند" يلبس في المنطقة الجنوبية، إلى الثوب "المردون" أو "أبو ردون" أو "المذيل"، الذي يسميه أهل الجنوب "المفرج" يقول ابن لعبون:

ولا ثوبي غدا يطرخ شلاحه

يرد القاع ردنه ومتثني

وكذلك كان الثوب "المبقّش" في القصيم و"الشكارة" في حائل و"الملوسن" - أبو ألسنة - المخصص في الغالب لأداء الرقصات الشعبية، هذا عدا الملابس والأردية الخارجية كالمشلح "البشت" و"البيدي" و"الجوخة" و"الجبة" و"الدامر" و"الدقلة" و"الزبون" و"الصاية" و"الفروة".


الزي السعودي

بدأ اللباس في المملكة يميل إلى الأزياء المتداولة الآن، والمعروفة بلباس "الثوب" و"الغترة" و"العقال" منذ بدايات توحيد البلاد في منتصف القرن الهجري المنصرم، وقد عرفت الملابس الناعمة واللينة في منتصف السبعينات الميلادية أي مع ظهور ملامح الطفرة الاقتصادية، التي عمت - بفضل الله - بلادنا، وحينها عرف الشباب أنواعاً من الأقمشة أكثر نعومة، لاسيما مع بداية الثمانينات الميلادية، حيث غابت ثياب "التترو" و"السلك" و"أبو غزالين" المعروفة بثقلها ومتانتها، وظهر جيل جديد من الأقمشة الناعمة التي عرفها أبناء الثمانينات باسم "ثياب الزبدة" لليونتها ونعومتها، كما ظهر جيل جديد من أقمشة الغتر والأشمغة - عدا العطار والعقل والبسام - التي ما زالت محافظة على أصالتها كالشماع المختوم و"أبو هدب"، كما انتشرت موضة الشماغ "العنابي" أواسط الثمانينات الميلادية، وعادت مرة ثانية مع بداية الألفية حتى غلب اللون "العنابي" على اللون الأحمر التقليدي في بعض المدارس وملاعب كرة القدم، ناهيك عن عودة الشباب للون الأصفر في ثيابهم ذات التفصيل الحجازي بعد أن غلب عليها التفصيل الخليجي أواخر الثمانينات، والتي انتشر معها اللون الأحمر في الملابس الشتوية بعد أن ازدهرت منذ منتصف الثمانينات موضة الملابس الرجالية الجاهزة.


"موضات" جديدة

وفي زمننا هذا ما زالت الملابس والأزياء الرجالية محتفظة بقدر كبير من أصالتها وتمسكها بأشكالها التقليدية، لا سيما في "الغترة" و"الشماغ" و"الثوب"، ولا يخالف ذلك ما يبدو عليه بعض الشباب من لبس التكميلة الرياضة في الأماكن العامة؛ إذ يظل الزي التقليدي محافظاً وبقدر كبير على شكله وأصالته ومنذ عقود، إلاّ أنّ أشكال الحياكة والتطريز وأنواع الأقمشة تبدو متجددة ومتغيرة من فترة لأخرى، ورغم ذلك فقد عمد بعض الشباب الآن إلى تتبع خطوط الموضة في اللباس، فقد اندفع بعضهم وراء ما لا يمثلهم ويتنافى مع عادات وتقاليد مجتمعهم في الملابس، إذ كان التقليد الأعمى لمظهر مشاهير الغرب خلف ظهور موضات غريبة بين أواسط الشباب ك "طيحني" و"بابا سامحني" و"سكيني"، فصار بعضهم يجري وراء صرخات الأزياء وآخر المستجدات فيها، وأصبح ارتدائهم الزي التقليدي مقتصراً في الغالب على المناسبات الاجتماعية والأعياد.



المصدر : جريدة الرياض

قصة «علم المملكة».. راية التوحيد باقية




أثبتت الدراسات التاريخية أن علم المملكة الذي تتوسطه عبارة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله) جاء متوارثاً من تلك الراية التي كان يحملها حكام آل سعود حين نشرهم للدعوة وتوسيع مناطق نفوذهم أبان الدولة السعودية الأولى.

وقال الباحث والمؤرخ «عبدالرحمن الرويشد» في حديث ل «الرياض» إن الراية أبان الدولة السعودية الأولى كانت خضراء مشغولة من «الخز» و«الإبريسم»، وقد كتب عليها عبارة (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، وأنها كانت معقودة على سارية بسيطة، وأن هذه الراية استمرت من عهد المؤسس الأول الإمام محمد بن سعود وابنه الإمام عبدالعزيز بن محمد وابنه الإمام سعود بن عبدالعزيز وابنه الإمام عبدالله بن سعود حيث يقول: إن علم المملكة اليوم هو نفس الراية والبيرق الذي كان يحمله جند الدولتين (السعودية الأولى والثانية) منذ نشأتها، وهو عبارة عن قطعة من القماش الأخضر خط في منتصفها بخط واضح عبارة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وتحت العبارة رُسِمَ سيف، يرمز إلى القوة والجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة التوحيد خفاقة في ربوع الكون، مضيفاً أنه ومراعاة لالتزام مواصفات معينة لأطواله، نصت التعليمات على أن يكون العلم الوطني مستطيل الشكل، عرضه يساوي ثلثي طوله، ولونه أخضر، يمتد من السارية إلى نهاية العلم، وتتوسطه عبارة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وأسفل العبارة سيف مسلول، تتجه قبضته إلى القسم الأدنى من العلم.


علم خاص

وأضاف «الرويشد» أن هناك تعليمات تنص على أن يكون هناك علم خاص للملك، يطابق العلم الوطني في أوصافه، ويطرز في الزاوية الدنيا منه والمجاورة لسارية العلم شعار المملكة، ذاكراً أنه مع تصاعد الصراع البريطاني الفرنسي جاء «دومنغو باديا ليبيلخ» الذي تظاهر بالإسلام وتخفى تحت اسم «الحاج علي العباسي» ليعمل لحساب «نابليون الثالث»، وليسبر غور الحركة الإصلاحية في نجد، حيث وصل ذلك العميل إلى مكة في 14 من ذي القعدة عام 1221ه الموافق (شهر يناير 1807)، وأتيح لهذا الجاسوس حينها فرصة رؤية دخول جيش الإمام سعود إلى مكة المكرمة، البالغ عددهم 45 ألف وهم في ثياب الإحرام، كما شاهد جيش سعود وأتباعه يزحفون داخل مكة ليؤدون المناسك، يتقدمهم عَلَم أخضر طرزت عليه بحروف كبيرة بيضاء عبارة (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، كما ذُكر أن «جون لويس بوكهارت» الذي وصف جيش الإمام سعود بن عبدالعزيز قد دوّن في ملاحظاته أن لدى كل شيخ أو أمير من أمراء الإمام سعود راية خاصة، وأن سعوداً يمتلك عدداً من الرايات المختلفة.


مشهد رائع وفريد

ويشير «الرويشد» إلى أن أول راية رفعت في العصر السعودي الأول كانت عام 157ه (1744م)، موضحاً أن «ابن بشر» ذكر في تاريخه أن الإمام عبد العزيز بن محمد الحاكم الثاني في الدولة السعودية الأولى، وابنه الإمام سعود كانا يبعثان رسلهما إلى رؤساء القبائل، ويحددان لهم يوماً ومكاناً معلوماً على ماء معين، وتتقدمهما الراية، فتنصب على ذلك المورد، فلا يتخلف أحد من رؤساء القبائل، موضحاً أن القبطان الإنجليزي «آي آر بيرس» شاهد من على ظهر سفينة «بيرسيوس» التابعة للبحرية البريطانية استعدادات مبارك الصباح والإمام عبدالرحمن الفيصل ل»معركة الصريف»، حيث وصف الاستعدادات: «حقاً لقد كان المشهد رائعاً وفريداً وأظن أنه كان هناك ما لا يقل عن عشرة آلاف رجل وكان من بينهم قوات آل سعود التي كانت تحمل راية خضراء اللون وقد كتب عليها (لا إله إلا الله محمد رسول الله).


رياض الجنة

وأوضح الباحث «الرويشد» أنه كان يتولى خياطة الرايات وإعدادها والكتابة عليها أهل بيت معروف في الرياض، ويذكر أن آخر من تولى شأن راية الملك عبدالعزيز هو «عبد الله بن محمد بن شاهين»، ثم أوكل الأمر بعد ذلك إلى الوجيه الشيخ «سعد بن سعيد» وابنه «عبدالمحسن بن سعد بن سعيد» من أهل الرياض، ثم آل أمرها فيما بعد إلى جهات اختصاصها، وفي يوم 12/1/1357ه الموافق 13/3/1938م صدر نظام رفع العلم بالأمر السامي الكريم رقم 1/4/7 ونشر في الجريدة الرسمية، لافتاً إلى أن اللون الأخضر اختير كرمز إلى رياض الجنة، وعبارة التوحيد تعبيراً عن وحدانية الله والتأكيد على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو رسول الله وخاتم النبيين، وقد ذكر الريحاني في تاريخه: أن الراية التي حملها الملك عبدالعزيز - يرحمه الله - في أول عهده كان الجزء الذي يلي السارية منها أبيض، وكان فيها جزء أخضر، وكانت مربعة تتوسطها عبارة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ويعلوها سيفان متقاطعان، ثم تغير شكلها – بعد ذلك – فضمت سيفاً واحداً تحت كلمة الشهادة كتب تحته «نصر من الله وفتح قريب».


حاملوا البيرق

ويعدد «عبدالرحمن الرويشد» أبرز من حمل البيرق في العصور السعودية على النحو التالي: أولاً «إبراهيم بن طوق»: من أسرة آل طوق (المعامرة) من سكان الدرعية، ولم يمددنا التاريخ بمزيد من المعلومات عنه، ولا عما كانت تتطلبه مهنة حمل الراية، وإن كان «ابن بشر» قد أفادنا في تاريخه أن الإمام عبدالعزيز الحاكم الثاني في الدولة السعودية الأولى وابنه سعود كانا يحددان مكاناً معلوماً على ماء معين في يوم معروف لاجتماع الناس، وأنه يتقدم إلى ذلك المكان لرفع الراية (البيارق) التي تنصب على ذلك المورد، وعندما تناول ابن بشر سيرة الإمام (تركي) مؤسس الدولة السعودية الثانية قال: كان ذلك الإمام يكتب لأمراء البلدان يأمرهم بالخروج والاجتماع في مكان معين، ثم يخرج الراية من قصره فتنصب قريبة من باب قصر الحكم في الرياض قبل خروجه بيوم أو يومين، مضيفاً أن ثاني من حمل البيرق هو «عبدالله أبو نهية»: وقد أشار إليه المؤرخ «ابن بشر» وإلى بطولاته ومواقفه في الدفاع عن بلدة الدرعية عند حصارها عام 1233ه (1818م)/ وآل «أبو نهية» أسرة عريقة من أسر الدرعية تسكن بقيتهم اليوم مدينة الأحساء وما حولها، وقد توفي «عبدالله أبو نهية» إبان ذلك الحصار الغاشم عام 1233ه (1818م)، وثالثهم هو «الحميدي بن سلمة» و»آل سلمة» أسرة من أسر الرياض المعروفة منذ القدم، ويتذكر الناس عدة أسماء من هذه الأسرة ممن حمل الراية في الدولة السعودية الثانية، منهم «الحميدي» الذي توفي في أحد المعارك، ذاكراً رابع من حمل البيرق وهو «صالح بن عبدالله بن هديان» من أسر الرياض المعروفة، وقد حمل الراية في آخر الدولة السعودية الثانية وأول الثالثة، كما كان ممن حمل راية أبناء سعود بن فيصل، وقد كلفه الملك عبدالعزيز بحمل راية حجاج العارض السنوية التي كان ينطلق بها مع الراية في كل سنة، ويلتف حولها الحجاج حتى مكة، ثم يعود بها مع القوافل إلى حيث انطلقوا، وقد ظل ذلك التقليد متبعاً في أول عهد الملك عبدالعزيز حتى إعلان توحيد المملكة العربية السعودية عام 1351ه (1932م).


توفي الاثنان معاً

ويستمر «الرويشد» في سرد أسماء حاملي البيرق حيث ذكر أن خامسهم هو «إبراهيم الظفيري» من قبيلة «الظفران» وهي أسرة متحضرة من أسر الرياض، لهم بساتين نخيل غربي الرياض، تعرف بنخيل «الظفران»، ثم عرفت فيما بعد ب (الشرقية) في الرياض، وقد حمل «إبراهيم» الراية ل (عبدالله بن فيصل) ثم لأخيه (سعود بن فيصل) ثم وكلت إليه رئاسة قلعة الحامية في جزيرة قطر، وهي قلعة سعودية كانت تحمى من قبل الدولة السعودية قديماً، موضحاً أن السادس هو «عبداللطيف بن حسين المعشوق» من أسرة «آل المعشوق» المعروفة، من سكان الدرعية ثم الرياض، ولهم صلة قديمة بالأسرة السعودية في أدوارها الثلاثة، ويلقب هذا البيارقي الشجاع بلقب «الشليقي»، وكان قد حمل الراية للإمام (سعود بن فيصل) وعندما خرج الإمام (عبدالرحمن) بعائلته إلى الكويت التحق بهم آل المعشوق، وكان «عبد اللطيف» أول من حمل الراية للملك عبدالعزيز عام 1319ه (1902م)، وتوفي في معركة البكيرية عام 1322ه (1904م) بعد أنه شهد كل المعارك قبلها، حاملاً الراية الخضراء، ولم يتخلف حتى عن غزوة واحدة، مبيناً «الرويشد» أن «منصور بن عبداللطيف المعشوق» هو سابع من حمل البيرق وهو ابن حامل الراية السابق، حيث حمل راية الملك عبدالعزيز في المعركة نفسها، ولم يلبث أن توفي تحت الراية ودفن الاثنان معاً في أرض البكيرية.


ظروف استثنائية

وكشف الباحث «الرويشد» أن «عبدالرحمن بن مطرف» هو ثامن من حمل البيرق حيث تسلم الراية بعد آل معشوق وحملها في معركة «روضة مهنا» عام 1324ه (1906م)، وأصيب بعدة جراحات، وكان يحمل الراية أثناء علاج جراحة شخصيات أخرى، لكنه يعود إلى حملها حتى تم للملك عبدالعزيز توحيد مملكته، بل وحملها في أوقات السلم وقبلها أيام الحرب، ثم حملها ابنه «منصور» ثم حفيده «مطرف» ثم «عبدالرحمن بن مطرف بن منصور الثاني»، وما تزال الراية المظفرة في يد «آل مطرف»، وهم أسرة معروفة من أسر الرياض، موضحاً أنه ما دمنا بصدد تعداد من حملوا الراية السعودية المظفرة ممن أشار إليهم التاريخ أو تداولت ذكرهم الألسنة، فإن من الإنصاف أن نشير إلى رجال آخرين حملوا هذه الراية في ظروف استثنائية، وخاضوا بها بعض المعارك، مثل: «علي بن حويل» من آل حويل، و»إبراهيم بن ودعان» و»محمد بن عبدالله بن ريس» وغيرهم، وجميعهم من أهل الرياض، مؤكداً أن لكل بلدة من بلدان نجد، ولكل هجرة من هجر البادية، علم يحمله شخص من بينهم، وهو العلم الوطني نفسه الذي يحمله الحاكم من آل سعود، الذي ينطلق من عاصمة ملكه.


اللون الذهبي

ويتحدث الباحث «الرويشد» عن العلم الخاص بالملك فيقول: إنه في عهد الملك فيصل - يرحمه الله - صدر الأمر الملكي رقم م/3 في 10/2/1393ه (1973م) الخاص بنظام العلم السعودي، وجاء من ضمن فقراته استحداث علم الملك الخاص، وهو العلم الوطني مضافاً إليه شعار المملكة باللون الذهبي في الركن الأيمن أسفل العلم، على النحو الآتي: «أن يكون لجلالة الملك علم خاص يطابق العلم الوطني بأوصافه، ويطرز في زاويته الدنيا المجاورة لعود العلم شعار الدولة وهو السيفان المتقاطعان تعلوها نخلة، ويطرز بخيوط حريرية مذهبية».


لا يلف على الأكفان

يذكر أن العلم السعودي لم يسبق له في عمره الطويل أن لفَّ على أكفان أو جثث للموتى من الملوك والقادة، كما نص النظام على ألا ينكس أبداً في مناسبات الحداد، ولا يحنى لكبار الضيوف عند استعراض حرس الشرف كما هو معروف في كثير من الدول، وهي ميزة ينفرد بها عن باقي أعلام العالم، كما ورد في نظام استعمال العلم في حالة الحداد (المادة 16) أنه يرفع العلم السعودي الخالي من كلمة التوحيد منكساً في المدة المقننة لهذا الغرض، وفي (المادة 17) يكون تنكيس العلم الخالي من شعار التوحيد بوضعه في منتصف العمود المنصوب عليه.



المصدر : جريدة الرياض